العيني

16

عمدة القاري

الإسناد ؟ قلت : قال الكرماني : المقامات مختلفة ، فرواية قتيبة للبخاري إنما كانت في مقام بيان معنى التحديث ، ورواية خالد في مقام بيان طرح المسألة ، فلهذا ذكر البخاري في كل موضع شيخه الذي روى الحديث له لذلك الأمر الذي روى لأجله ، مع ما فيه من التأكيد وغيره . قلت : فيه قائدة أخرى ، وهو التنبيه على تعدد مشايخه ، واتساع روايته حتى إنه ربما أخرج حديثاً واحداً من شيوخ كثيرة . ثم خالد بن مخلد ، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة ، أبو الهيثم القطواني ، بفتح القاف والطاء ، البجلي ، مولاهم الكوفي . وقطوان موضع بالكوفة . روى عن مالك وسليمان بن بلال وغيرهما . روى عنه إسحاق بن راهويه وابنا أبي شيبة ومحمد ابن بندار والبخاري عن ابن كرامة عنه ، قال أحمد بن حنبل وأبو حاتم : له أحاديث مناكير . وقال يحيى بن معين : ما به بأس . وقال أبو حاتم : يكتب حديثه . وقال ابن عدي : هو من المكثرين في محدثي الكوفة ، وهو عندي ، إن شاء الله ، لا بأس به . وروى البقية غير أبي داود عن رجل عنه ، مات في المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين ، وسليمان هذا هو ابن بلال أبو محمد ، ويقال أبو أيوب التيمي القرشي المدني ، مولى عبد اللَّه بن أبي عتيق واسمه محمد بن عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق ، كان بربرياً جميلاً حسن الهيئة عاقلاً مفتياً ، ولي خراج المدينة ، وتوفي بها سنة اثنتين وسبعين ومائة في خلافة هارون الرشيد . وقال أحمد : لا بأس به ثقة . وعن يحيى بن معين : ثقة صالح ، روى له الجماعة . 6 ( ( بابٌ القِرَاءَةُ والعَرْضُ عَلَى المُحَدِّثِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم القراءة والعرض على المحدث . قوله : ( على المحدث ) يتعلق بالقراءة والعرض كليهما ، فهو من باب تنازع العاملين على معمول واحد . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو قراءة الشيخ ، والمذكور في هذا الباب هو القراءة على الشيخ والسماع عليه ، وهذه مناسبة قوية ، وقال الشيخ قطب الدين ، لما ذكر البخاري في الباب الأول قراءة الشيخ ، وهو قوله : باب قول المحدث : حدثنا وأخبرنا وأنبأنا ، عقب بهذا الباب ، فذكر القراءة على الشيخ والسماع عليه ، فقال : باب القراءة والعرض على المحدث ، وكان من حقه أن يقدم هذا الباب على : باب قول المحدث : حدثنا وأنبأنا ، لأن قول المحدث : حدثنا وأنبأنا فرع عن تحمله ، هل كان بالقراءة أو بالعرض ، أو يقول : باب قراءة الشيخ ، ثم يقول : باب القراءة على المحدث . قلت : كلامه مشعر ببيان المناسبة بين هذا الباب والباب الذي قبل الباب السابق على هذا الباب ، وهو : باب قول المحدث : حدثنا وأخبرنا . وحق المناسبة هو الذي يكون بين البابين المتواليين ، كما ذكرناه الآن ، وقوله : وكان من حقه . . . إلخ ، ليس كذلك ، بل الذي رتبه هو الحق ، لأنا قد قلنا : إن المذكور في الباب السابق هو قراءة الشيخ ، وفي هذا الباب القراءة على الشيخ ، وقراءة الشيخ أقوى ، والأقوى يستحق التقديم . فإن قلت : ما مقصود البخاري من وضع هذا الباب المترجم بالترجمة المذكورة ؟ قلت : أراد به الرد على طائفة لا يعتدون إلاَّ بما يسمع من ألفاظ المشايخ دون ما يقرأ له عليهم ، ولهذا قال عقيب الباب : ورأى الحسن والثوري ومالك القراءة جائزة . . . إلخ . فإن قلت : ما الفرق بين مفهومي القراءة والعرض ؟ قلت : المفهوم من كلام الكرماني أن بينهما مساواة ، لأنه قال : المراد بالعرض هو عرض القراءة بقرينة ما يذكر بعد الترجمة ، ثم قال : فإن قلت : فعلى هذا التقدير لا يصح عطف العرض على القراءة لأنه نفسها . قلت : العرض تفسير القراءة ، ومثله يسمى بالعطف التفسيري ، وقال بعضهم : إنما غاير بينهما بالعطف لما بينهما من العموم والخصوص ، لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض ومن غيره ، ولا يقع العرض إلاَّ بالقراءة ، لأن العرض عبارة عما يعارض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته ، فهو أخص من القراءة . قلت : هذا كلام مخبط لأنه تارة جعل القراءة أعم من العرض ، وتارة جعلها مساوية له ، لأن قوله : لأن الطالب إذا قرأ كان أعم من العرض ومن غيره ، مشعر بأن بين القراءة والعرض عموماً وخصوصاً مطلقاً لاستلزام صدق أحدهما صدق الآخر ، كالإنسان والحيوان ، ، وقوله : ولا يقع العرض إلاَّ بالقراءة ، مشعر بأن بينهما مساواة ، لأنهما متلازمان في الصدق كالإنسان والناطق ، والتحقيق في هذا الموضع أن العرض بالمعنى الأخص مساوٍ للقراءة ، وبالمعنى الأعم يكون بينهما عموم وخصوص مطلق لاستلزام صدق أحدهما صدق الآخر ، والمستلزم أخص مطلقاً ، واللازم أعم ، فالقراءة بمنزلة الإنسان ، والعرض